سيد محمد طنطاوي

163

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

- صلوات اللَّه وسلامه عليهم جميعا - وإذا كان هذا حكم الأنبياء ، كانت الأمم بذلك أولى وأحرى . والمعنى على رأى فريق آخر من أصحاب هذا القول منهم على وابن عباس وقتادة : أن اللَّه - تعالى - أخذ الميثاق من النبيين أن يؤمنوا بمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إذا أدركوه ، وأن يأمروا أقوامهم بالإيمان به . قالوا : يؤيد هذا ما أخرجه ابن جرير عن علي بن أبي طالب قال : لم يبعث اللَّه نبيّا : آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ، ويأمره فيأخذ العهد على قومه . ثم تلا الآية » « 1 » . فكأن أصحاب هذا القول الأول متفقون فيما بينهم عن أن الميثاق إنما أخذه اللَّه من النبيين إلا أن بعضهم يرى أن هذا الميثاق أخذه اللَّه منهم لكي يصدق بعضهم بعضا والبعض الآخر يرى أن هذا الميثاق أخذه اللَّه منهم في شأن محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم خاصة . قال ابن كثير ما ملخصه . وما قاله الحسن ومن معه لا يضاد ما قاله على وابن عباس ولا ينفيه ، بل يستلزمه ويقتضيه . . . وقد روى الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن ثابت قال : جاء عمر إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : يا رسول اللَّه : إني مررت بأخ لي من بني قريظة ، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك ؟ قال : فتغير وجه النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال عبد اللَّه بن ثابت : فقلت له : ألا ترى ما بوجه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ؟ فقال عمر : رضيت باللَّه ربا . وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا . قال : فسرى عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وقال : « والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى - عليه السلام - ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ، إنكم حظى من الأمم وأنا حظكم من النبيين . وعن جابر قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا . وإنكم إما أن تصدقوا بباطل وإما أن تكذبوا بحق ، وإنه واللَّه لو كان موسى حيّا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني » وفي بعض الأحاديث : « لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعى » . فالرسول محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « هو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد - كان هو الواجب الطاعة المقدم على الأنبياء كلهم » « 2 » . هذا هو معنى الجملة الكريمة عند أصحاب الرأي الأول الذين يرون أن اللَّه - تعالى - أخذ

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 3 ص 209 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 378 .